اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة التي تلاحقني بعد المدرسة… كانت أمي!
تجمدت قدماها عند العتبة وارتجفت شفــ,تاها وهي تراقب قطرات المطر تسيل على وجنتي المرأة. مرت ثانية طويلة كأنها عام كامل ثم سمعت أنفاسها تتسارع في صدرها بينما تهمس في داخلها صدقيها.
تراجعت خطوة إلى الداخل فتقدمت المرأة خطوة صغيرة حافية ومبللة لكنها ثابتة كمن انتظر هذه اللحظة كل العمر. ارتفع صوت خالتها من عمق الصالة متكسرا بين الذنب والخوف ثاندي ادخلي جوه. لم تتحرك. ظلت تمسك بمقبض الباب وتحدق في وجه المرأة التي قالت إنها أمها. كانت هناك تلك اللمعة الغريبة في العينين ليست جنونا ولا ضياعا بل معرفة قديمة مثل
-
انا الى دخلت بيتي بس بنتي دفعت الثمنnovembre 24, 2025
-
صوت الخۏف كاملةnovembre 23, 2025
-
طفلان مشرّدان طلبا بقايا الطعام… لكنهما أعادا لأمٍّ قلبها المفقودnovembre 23, 2025
-
عندما قال له سأجعل ابنتك تمشي لم يتوقع الأب أن المعجزة ستأتي من طفل مشردnovembre 23, 2025
ضوء بعيد تعرفه الروح قبل العقل.
قالت ثاندي بصوت خافت لا يشبه صوتها عندك إثبات أي حاجة تثبت إنك أمي أدخلت المرأة يدها في جيب فستانها البالي وأخرجت صورة صغيرة محاطة بحواف مهترئة. كانت صورة رضيع ملفوف في بطانية صفراء وعلى ظهر الصورة اسم كامل مكتوب بخط يد مرتجف ثانديويه نكوما نجمتي. انحــ,بست أنفاسها وهي تقلب الصورة بين أصابعها. في الزاوية اليسرى من الصورة شامة صغيرة تحت الأذن نفس الشامة التي اعتادت
إخفاءها بشعرها.
جاءت الخالة مسرعة وانتزعت الصورة بعصبية لكنها حين قرأت الاسم خفتت في عينيها شرارة المقاومة. جلست على أقرب كرسي كأن ركبتيها خانتاها ثم قالت وهي تحدق في الأرض أنا ما قلتلكش كل الحقيقة يوم مات أبوك أمك انهــ,ارت. ما كانش عندنا غير بيت صغير وديون كتير. الجهات الاجتماعية قالت لازم الطفل يروح رعاية مؤقتة وأنا خفت يضيع منك كل شيء. قلتلهم إنك بنتي علشان أقدر آخدك. وعدوني إنهم يبلغوا أمك أول ما تستقر. بس هي اختفت من وقتها وأنا انكــ,سرت الجملة في حلقها. رفعت رأسها ببطء نحو المرأة الواقفة على الباب دورت علينا سنين
هزت المرأة رأسها والدموع تمتزج بالمطر كل يوم. عند بوابة المدرسة تحت شجرة الجاكراندا جنب الجسر كنت بحفظ خطوات
بنتي من بعيد. لما كانوا يطردوني من الشارع كنت أرجع تاني. كنت بشوفها تكبر من غير ما ألمس إيديها.
انفجــ,ر شيء صلب داخل صدر ثاندي شيء كانت تبنيه منذ أعوام لتنجو طبقة سميكة من الإنكار. تخلخلت الطبقة وبدأ الدفء المؤلم يتسرب. التفتت للخالة ليه ما قلتيليش ليه سيبتيني أصدق إنها مجنونة وتطاردني ردت الخالة بصوت مبحوح كنت خايفة عليك وخايفة منك. كل ما تكبري كان اللوم بيكبر معاك. ثم وضعت الصورة في يد ثاندي برفق كما لو كانت تعتذر.
وقفت ثاندي جانبا وفتحت الباب على اتساعه ادخلي. ترددت الأم لحظة كأنها تستأذن هواء البيت قبل الأرض ثم دخلت بخطوات بطيئة. تركت ثاندي الباب ليتكفل المطر بما تبقى من آثار الشارع على العتبة. في الصالة امتزجت روائح الشاي
القديم والمطر والملح. جلست الأم على الحافة البعيدة من المقعد مستقيمة الظهر على الرغم من التعب ووضعت الدمية القماشية الصغيرة دب قديم فقد إحدى عينيه على ركبتها كأنها وثيقة هوية أخرى.
علميني الأغنية. قالتها ثاندي فجأة. ارتعشت شــ,فة الأم ثم همست بلحن بسيط نفس اللحن الذي ظل يطارد لياليها نامي يا نجمتي الليل قصير وبكره الفجر يبان على وشك نور. لم تحتج ثاندي إلى أكثر من شطرين سقطت دموعها بسرعة لم تعرفها من قبل ووضعت كفها فوق صدرها لتكبح شهقة خرجت رغما عنها. قالت الأم وهي تمد يدها مترددة ممكن لم تجبها بالكلام. جلست قربها بما يكفي ليتلامس كتفان ثم سمحت ليد خشنة متعبة أن تلمس خدها مرة أخيرة كأنها تتم شيئا ناقصا منذ
سنين.
في اليوم التالي ذهبت ثاندي مع خالتها والأم إلى مركز مجتمعي قريب. تحدثوا مع الأخصائية الاجتماعية التي أعادت فتح ملف قديم يحمل اسما مطموسا وعنوانا تغير كثيرا. طلبت شهادات وهوية وصور وسئلت المرأة عن سنوات الضياع عن عمل مؤقت تحت الجسر عن الليالي التي نامت فيها قرب مركز الشرطة لتشعر بالأمان. لم تفهم ثاندي كل الإجراءات لكنها فهمت شيئا واحدا لا بد أن تعطي لأمها اسمها مرة أخرى بشكل رسمي هذه المرة لا كهمس على الرصيف.
مرت أسابيع من اللقاءات المنظمة في المكتبة العامة أو في حديقة صغيرة بين شارعين. كانت ثاندي تحضر دفاترها وتذاكر وأمها تجلس مقابلها تراقب حركة قلم الر,صاص وهي تكتب ثم تسألها لسه بتحلمي تبقي صحفية فتضحك ثاندي بدهشة إزاي عرفتي فتقول من طريقتك وإنت بتحكي. اللي بيحلم يكتب كلامه بيجري قدامه. كانت تلك الجمل الصغيرة تشبه ضمادات دقيقة تمسك الشقوق التي خلفتها السنوات دون أن تؤلمها.
بقيت لحظات الارتباك أيضا. في بعض الأيام كانت الأم